فصل: (مسألة: وجود المبيع أو بعضه عند المفلس)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان في مذهب الإمام الشافعي



.[مسألة: اشترى بدين وباع ثم أفلس]

وإن اشترى عينا بثمن في ذمته، فباعها من غيره، أو وهبها منه، وأقبضها، ثم أفلس المشتري.. لم يكن للبائع إلا الضرب مع الغرماء؛ لأنها خارجة عن ملك المشتري، فهو كما لو تلف. وإن رجعت إلى ملك المشتري بإرث، أو هبة، أو وصية، ثم أفلس.. فهل يرجع البائع بها؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يرجع؛ لأن هذا الملك انتقل إليه من غير البائع.
والثاني: للبائع أن يرجع فيها؛ لأنه وجد عين ماله خاليا عن حق غيره، فهو كما لو لم يخرج عن ملك المشتري.
فإذا قلنا بهذا الوجه، وكان المشتري قد اشتراها ممن هي في يده بثمن في ذمته، فأفلس الثمنين، وحجر عليه.. فأي البائعين أحق بالعين؟ فيه ثلاثة أوجه، حكاها المسعودي [في "الإبانة" ق \ 271]:
أحدها: البائع الأول أحق بها؛ لأن حقه أسبق.
والثاني: أن البائع الثاني أحق بها؛ لأنه أقرب.
والثالث: أنهما سواء؛ لأنهما متساويان في سبب الاستحقاق.

.[مسألة: وجود المبيع أو بعضه عند المفلس]

هذا الذي ذكرناه إذا وجد البائع العين المبيعة بحالها لم تنقص ولم تزد، فأما إذا وجدها ناقصة: فلا يخلو: إما أن يكون نقصان جزء ينقسم عليه الثمن ويصح إفراده بالبيع، أو نقصان جزء لا ينقسم عليه الثمن ولا يصح إفراده بالبيع.
فإن كان نقصان جزء ينقسم عليه الثمن، بأن باعه عبدين بثمن، فقبضهما المشتري، فتلف أحدهما، وأفلس قبل أن يقبض البائع الثمن.. أو كان ثوبا فتلف بعضه أو نخلة مثمرة مؤبرة فتلفت الثمرة قبل أن يقبض البائع الثمن فالبائع بالخيار: بين أن يترك ما بقي من المبيع، ويضرب بجميع الثمن مع الغرماء، وبين أن يرجع فيما بقي من المبيع بحصته من الثمن، ويضرب مع الغرماء بحصة ما تلف من المبيع من الثمن، سواء تلف بآفة سماوية، أو بفعل المشتري، أو بفعل أجنبي، فالحكم واحد في رجوع البائع، وإنما كان كذلك؛ لأن البائع يستحق المبيع في يد المفلس بالثمن، كما يستحق المشتري المبيع في يد البائع بالثمن، ثم المشتري إذا وجد بعض المبيع في يد البائع.. كان له أن يأخذه بحصته من الثمن، فكذلك هذا مثله. فإن كان المبيع عبدين أو ثوبين، وتلف أحدهما، وأراد تقسيط الثمن عليهما.. قوم كل واحد منهما بانفراده، وقسم الثمن المسمى على قيمتهما، فما قابل التالف.. ضرب به مع الغرماء، وما قابل الباقي.. رجع في الباقي منهما بما قابله. وإن باعه نخلة عليها ثمرة مؤبرة، واشترط المشتري دخول الثمرة في البيع، ثم أتلف المشتري الثمرة، أو تلفت، وأفلس، واختار البائع الرجوع في النخلة.. فإنه يرجع فيها بحصتها من الثمن، ويضرب مع الغرماء بما يقابل الثمرة من الثمن.
وحكى المحاملي عن بعض أصحابنا: أنه يرجع في النخلة بجميع الثمن. وليس بشيء. فإذا أراد أن يرجع في النخلة بحصتها من الثمن.. قال صاحب "المهذب": فكيفية ذلك: أن يقوم النخلة مع الثمرة، ثم يقوم النخلة من غير ثمرة، ويرجع بما بينهما من الثمن.
وأما الشيخ أبو حامد، وابن الصباغ فقالا: تقوم النخلة منفردة. فإن قيل: قيمتها تسعون.. قومت الثمرة منفردة، فإن قيل: قيمتها عشرة.. علمنا أن قيمة الثمرة العشر، فيعلم أن الذي يقابل الثمرة عشر الثمن المسمى، فيضرب به مع الغرماء، ويأخذ النخلة بتسعة أعشار الثمن.
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (وتقوم يوم قبضها).
قال أصحابنا: وليس هذا على إطلاقه، وإنما تقوم بأقل الأمرين من يوم العقد، أو يوم القبض؛ لأن القيمة إن كانت يوم العقد أقل.. قومت وقت العقد؛ لأن الزيادة حدثت في ملك المفلس، فلا يكون للبائع فيها حق. وإن كانت القيمة يوم القبض أقل.. قومت يوم القبض؛ لأن ما نقص في يد البائع كان مضمونا عليه، فلا يرجع البائع على المفلس بما نقص في يده.
وإن اشتري منه نخلة عليها طلع غير مؤبر.. فإن الطلع يدخل في البيع، فإن أتلف المشتري الثمرة أو تلفت في يده، وأفلس، فأختار البائع الرجوع في النخلة.. فهل يضرب مع الغرماء بحصة الثمرة من الثمن، أو يرجع في النخلة بجميع الثمن؟ فيه وجهان:
أحدهما: يضرب مع الغرماء بحصة الثمرة من الثمن؛ لأنها ثمرة يجوز إفرادها بالعقد، فرجع بحصتها من الثمن، كما لو كانت مؤبرة.
فعلى هذا: كيفية التقسيط على ما مضى في المؤبرة.
والثاني: لا يضرب بحصة الثمرة، مع الغرماء، بل يأخذ النخلة بجميع الثمن، أو يضرب به مع الغرماء؛ لأن الطلع غير المؤبر يجري مجرى جزء من أجزاء النخلة، بدليل: أنها تدخل في العقد بالإطلاق، فصارت كالسعف. ولو أفلس، وقد تلف شيء من السعف.. لم يضرب بحصتها من الثمن، فكذلك هذا مثله.
وأصل هذا: هل للطلع قبل التأبير نماء متميز، أو غير متميز؟ فيه وجهان. هكذا ذكر الشيخ أبو حامد.
وإن كان النقصان مما لا ينقسم عليه الثمن، بأن كان المبيع عبدا صحيحا، فصار أعور العين أو مقطوع اليد، أو ثوبا صحيحا، فوجده البائع مخروقا، أو دارا ذهب تأليفها في يد المشتري فإن اختار البائع أن يضرب مع الغرماء بالثمن... فلا كلام، وإن اختار أن يرجع بعين ماله..نظرت:
فإن لم يجب في مقابلة ما ذهب أرش، بأن ذهب ذلك بآفة سماوية، أو بفعل المشتري.. فإن البائع يرجع في المبيع ناقصا بجميع الثمن، كما قلنا فيمن أشترى عبدا، فذهبت عينه أو يده بآفة سماوية في يد البائع، فإن المشتري إذا اختار إجازة البيع.. أخذه بجميع الثمن.
وإن وجب للنقصان أرش، بأن ذهب ذلك بفعل أجنبي.. فإن البائع يرجع في العين بحصتها من الثمن، فيضرب مع الغرماء بحصة ما تلف من العين المبيعة من الثمن ويرجع المشتري على الأجنبي بالأرش، وإنما كان كذلك؛ لأن الأرش الذي يأخذه المشتري من الأجنبي بدل عن الجزء الفائت من المبيع، ولو كان ذلك الجزء موجودا.. لرجع به البائع، فإذا كان معدوما.. رجع بما قابله من الثمن.
فإن قيل: هلا قلتم: إن البائع يأخذ ذلك الأرش؟ قلنا: لا نقول ذلك؛ لأن البائع لا يستحق الأرش، وإنما يستحق ما قابل ذلك الجزء من الثمن، كما أن الأجنبي لو أتلف جميع المبيع.. لم يرجع البائع بما وجب على الجاني من القيمة، وإنما يرجع بالثمن. وبيان ما يرجع به، أن يقال: كم قيمة هذه العين قبل الجناية عليها؟ فإن قيل: مائة.. قيل: فكم قيمتها بعد الجناية عليها؟ فإن قيل: تسعون.. علمنا أن النقص عشر القيمة، فيضرب البائع مع الغرماء بعشر الثمن. فأما المفلس: فيرجع على الجاني بالأرش، فإن كان المبيع من غير الرقيق.. رجع بما نقص من قيمته بالجناية، وإن كان من الرقيق.. نظر إلى ما أتلفه منه، فإن كان مضمونا من الحر بالدية.. كان مضمونا من العبد بالقيمة، وإن كان مضمونا من الحر بالحكومة.. كان مضمونا من العبد بما نقص من القيمة، ويكون ذلك للغرماء، سواء كان أكثر مما رجع به البائع أو أقل منه.

.[فرع: وجد البائع المفلس قد أجر المباع]

وإن وجد البائع المبيع وقد أجره المشتري، ولم تنقض مدة الإجارة، واختار البائع الرجوع في العين.. كان له ذلك، واستوفى المستأجر مدة إجارته، ولا يأخذ البائع الأجرة ولا شيئا منها؛ لأن المبتاع ملك ذلك بالعقد، فصار ذلك كالعيب، وهكذا:
إذا كان المبيع عبدا أو جارية، فزوجها المبتاع، واختار الرجوع في عين ماله.. كان له ذلك، والنكاح بحاله، ولا شيء له من مهر الأمة. وإن دبره المبتاع، أو أوصى بعتقه، أو علق عتقه بصفة.. كان للبائع الرجوع، وانفسخت هذه التصرفات. وإن كاتبه المبتاع.. لم يكن للبائع الرجوع فيه؛ لأنه عقد لازم من جهة المشتري، فإن عجز العبد نفسه.. كان للبائع أن يرجع فيه، كما إذا رهن المبتاع العين المبيعة، ثم زال حق المرتهن عنها.

.[مسألة: وجد البائع عين ماله ناميا]

وإن وجد البائع عين ماله زائدة.. نظرت: فإن كانت الزيادة غير متميزة، كالسمن والكبر وما أشبههما، فاختار البائع الرجوع في العين.. رجع فيها مع زيادتها؛ لأنها زيادة لا تتميز، فتبعت الأصل في الرجوع بها، كالرد بالعيب.

.[فرع: بيع النخل مؤبرة وغير مؤبرة]

فإن باعه نخلا عليها طلع مؤبر، واشترط المشتري دخول الثمرة في البيع، فأدركت الثمرة في يد المشتري وجدها وجففها، ثم أفلس، والجميع في ملكه، لم يتعلق به حق غيره.. فإن للبائع أن يرجع في النخل والثمرة وإن كان مجففا؛ لأن هذه الزيادة غير متميزة، فهي كسمن الجارية.
وإن باعة نخلا عليها طلع غير مؤبر، فأبرها المشتري، ثم أفلس.. فهل للبائع الرجوع فيها؟ قال المسعودي [في (الإبانة) ق \ 272]: فعلى قولين، بناء على أن الثمرة هل تعلم قبل التأبير؟ وفيه قولان.
قلت: ويشبه أن تكون على طريقة أصحابنا البغداديين على وجهين، بناء على أن الثمرة قبل التأبير نماء متميز، أو غير متميز، وقد مضى ذكرهما.
وإن باعه أرضا، وفيها بذر مودع فيها، واشترط دخول البذر في البيع.. فهل يصح بيع البذر؟ قال الشيخ أبو حامد: فيه قولان. وغيره من أصحابنا قال: هما وجهان، وقد مضى ذلك في البيوع.
فإذا قلنا: يصح البيع في البذر، فأفلس المشتري، فإن كان قبل أن يخرج البذر عن الأرض.. رجع البائع في الأرض وفي البذر، ولا كلام، وإن أفلس بعد أن صار البذر زرعا.. فإنه يرجع في الأرض، وهل يرجع في الزرع، أو يضرب بحصة البذر من الثمن مع الغرماء؟ فيه وجهان:
أحدهما من أصحابنا من قال: يرجع في الأرض وحدها، ويضرب مع الغرماء بثمن البذر؛ لأن البائع إنما يرجع بعين ماله إذا كانت باقية بحالها، وهذا الزرع خلقه الله تعالى، ولم يكن موجودا حال البيع.
والثاني: يرجع في الزرع مع الأرض، وهو المنصوص؛ لأن هذا الزرع عين البذر، وإنما حوله الله تعالى من حالة إلى حالة، فرجع به، كالودي إذا صار نخلا.
وإن اشترى منه أرضا فيها زرع أخضر، واشترط دخول الزرع في البيع.. صح البيع، قولا واحدا، فإن أفلس المشتري بعد ما استحصد الزرع، واشتد حبه، أو كان قد حصده وذراه ونقاه.. فهل للبائع أن يرجع في الأرض مع هذا الزرع؟
قال عامة أصحابنا: فيه وجهان، كالتي قبلها.
وقال الشيخ أبو حامد: إن قلنا بالمنصوص في التي قبلها.. فللبائع أن يرجع هاهنا فيهما، وإن قلنا بالوجه الثاني لبعض أصحابنا فيها.. فهاهنا وجهان:
أحدهما: لا يرجع؛ لما مضى.
والثاني: يرجع؛ لأنه عين ماله، وإنما تغيرت صفتها، فزادت.
قال: وهكذا لو تغير الزرع من خضرة إلى صفرة.
وإن باعة أرضا فيها نوى مدفونة، واشترط دخول النوى في البيع.. ففيه وجهان، المذهب: أنه يدخل. فإن أفلس المشتري، وقد صار النوى نخلا.. فهل يرجع البائع فيها مع النخل؟ فيه وجهان، كالبذر إذا صار زرعا.
وإن اشترى منه بيضا، فحضنه تحت دجاجة حتى صار فرخا، ثم أفلس المشتري.. فهل يرجع البائع في الفراخ؟ فيه وجهان، كالبذر إذ صار زرعا، وتعليلهما ما ذكرناه.

.[فرع: الزيادة المتميزة في يد المفلس]

وإن كانت الزيادة متميزة، كاللبن، وولد البهيمة. رجع البائع في العين المبيعة دون الزيادة؛ لأنها زيادة متميزة، فلم تتبع الأصل في الرد، كما قلنا في الرد بالعيب. وإن كان المبيع أرضا فارغة، فزرعها المشتري، أو نخلا لا ثمرة عليها، فأثمرت في يد المشتري وأبرت، ثم أفلس المشتري، واختار البائع الرجوع في عين ماله.. فإنه يرجع في الأرض دون الزرع، وفي النخل دون الثمرة؛ لأنها زيادة متميزة حدثت في ملك المشتري، فلم يكن للبائع فيها حق.
إذا ثبت هذا: فليس للبائع أن يطالب المشتري والغرماء بحصاد الزرع، ولا بجذاذ الثمرة قبل وقتها؛ لأن المشتري زرع في أرضه، فليس بظالم، والثمرة أطلعت في ملكه، فهو كما لو باع أرضا وفيها زرع، أو نخلا وعليها طلع.. فإنه لا يجبر على قطع ذلك قبل أوانه، ولا تجب للبائع أجرة الأرض ولا النخل إلى أوان الحصاد والجذاذ، كما لا يجب ذلك للمشتري على البائع إذا اشترى أرضا وفيها زرع، أو نخلا عليها طلع، ثم ينظر في المفلس والغرماء: فإن اتفقوا على قطع الثمرة والزرع قبل أوان قطعهما.. جاز؛ لأن الحق لهم، وإن اتفقوا على تركه إلى وقت الحصاد والجذاذ.. جاز، وإن دعا بعضهم إلى القطع قبل أوانه، ودعا بعضهم إلى تركه.. ففيه وجهان:
أحدهما: وبه قال عامة أصحابنا، وهو المذهب -: أنه يجاب قول من دعا إلى القطع؛ لأن الغرماء إن كانوا هم الطالبين للقطع.. أجيبوا؛ لأنهم يقولون: حقوقنا معجلة، فلا يجب علينا التأخير. وإن كان المفلس هو الطالب للقطع.. أجيب؛ لأنه يستفيد بذلك إبراء ذمته، ولأن في التبقية غررا؛ لأنه قد يتلف، فأجيب من دعا إلى القطع.
والوجه الثاني - وهو قول أبي إسحاق -: أنه يفعل ما فيه الحظ من القطع، أو التبقية.
قال ابن الصباغ: وهذا لا بأس به؛ لأنه قد يكون من الثمرة والزرع ماله قيمة تافهة، أو ما لا قيمة له، والظاهر سلامته، ولهذا يجوز أن يزرع للصغير المولى عليه.

.[فرع: باعه نخلا لم يطلع وأفلس]

وإن باعه نخلا لا ثمرة عليها، فأطلعت في يد المشتري، وأفلس قبل التأبير.. فهل للبائع أن يرجع في الثمرة مع النخل؟ فيه قولان:
أحدهما: رواه المزني -: (أنه يرجع في الثمرة مع النخل)؛ لأنه لو باعه نخلة؛ عليها طلع غير مؤبرة.. تبعت الثمرة النخلة في البيع، فتبعتها أيضا في الفسخ، كالسمن في الجارية.
والثاني - رواه الربيع - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (أنه لا يرجع في الثمرة)؛ لأنه يصح إفرادها بالبيع، فلم يتبع النخلة في الفسخ، كالطلع المؤبر، ويفارق البيع؛ لأنه زال ملكه عن النخلة باختياره، وهاهنا زال بغير اختياره.
قال أصحابنا: فكل موضع زال ملك المالك عن أصل النخلة، وعليها طلع غير مؤبر باختيار المالك، وكان زوال ملكه عنها بعوض.. فإن الثمرة تتبع الأصل، وذلك كالبيع، والصلح، والأجرة في الإجارة، والصداق، والخلع، وما أشبه ذلك. وكل موضع زال ملكه عن أصل النخلة بغير اختياره، فهل تتبع الثمرة الأصل؟ فيه قولان، وذلك مثل مسألتنا هذه في المفلس، ومثل: أن يشتري نخلة لا ثمرة عليها بثمن معين، فتطلع النخلة في يد المشتري، ثم يجد البائع في الثمن عيبا، فيرده قبل التأبير، فهل يرجع البائع في الثمرة مع النخلة؟ على قولين.
وكذلك: إذا اشترى شقصا في أرض فيها نخل، وأطلعت النخل في يد المشتري، ثم علم الشفيع قبل التأبير، فشفع.. فهل يأخذ الثمرة مع النخل؟ على هذين القولين.
وكذلك: كل موضوع زال ملكه عن الأصل إلى غيره باختياره بغير عوض، فهل يتبع الطلع الذي ليس بمؤبر الأصل؟ فيه قولان أيضا، وذلك مثل: أن يهب الرجل لغيره نخلة عليها طلع غير مؤبر.
وكذلك: إذا زال ملكه عن الأصل بغير عوض بغير اختياره أيضا، مثل: أن يهب الأب لابنه نخلة، فأطلعت في يد الابن، ورجع الأب فيها قبل التأبير، فهل تتبع الثمرة الأصل؟ فيه قولان.
إذا ثبت هذا: فإن باعه نخلة لا ثمرة عليها، فأطلعت في يد المشتري، وأفلس قبل أن تؤبر الثمرة، فرجع البائع في عين ماله:
فإن قلنا: إن الثمرة لا تتبع النخلة في الفسخ.. كانت الثمرة للمفلس، فإن اتفق المفلس والغرماء على تبقيتها إلى أوان جذاذها.. كان لهم ذلك، وليس لبائع النخلة أن يطالبهم بقطعها قبل ذلك، ولا بأجرة نخلته؛ لأنها حدثت في ملك مالكها، وإن اتفقوا على قطعها.. جاز، وإن دعا بعضهم إلى قطعها، وبعضهم إلى تبقيتها؟ ففيه وجهان:
(أحدهما): قال عامة أصحابنا: يجاب من دعا إلى قطعها.
و(الثاني): قال أبو إسحاق: يفعل ما فيه الأحوط، وقد مضى دليل الوجهين.
وإن قلنا: إن الثمرة تكون لبائع النخل، فلم يرجع البائع حتى أبرت النخل.. كانت الثمرة للمفلس والغرماء، قولا واحدا؛ لأنها قد صارت بمنزلة نماء متميز، والحكم في قطعها وتبقيتها على ما مضى.
فإن قال بائع النخل: قد كنت رجعت فيها قبل التأبير، فإن صدقه المفلس والغرماء على ذلك، أو كذبوه وأقام على ذلك بينة.. حكم له بالثمرة، وإن كذبه المفلس والغرماء ولا بينة.. فالقول قول المفلس مع يمينه؛ لأن الأصل عدم الرجوع، فإذا حلف المفلس.. كانت الثمرة ملكا له، وقسمت على الغرماء، وإن نكل عن اليمين.. فهل يحلف الغرماء؟ فيه قولان، مضى ذكرهما.
فإذا قلنا: يحلفون، فحلفوا.. قسمت الثمرة بينهم، وإن نكلوا، أو قلنا: لا يحلفون.. عرضت اليمين على البائع، فإن حلف.. ثبت ملك الطلع له، وإن نكل... قال ابن الصباغ: سقط حقه، وكانت الثمرة للمفلس، وقسمت بين الغرماء.
وإن صدق الغرماء البائع، وكذبوا المفلس.. نظرت في الغرماء:
فإن كان فيهم عدلان، فشهدا للبائع: أنه رجع قبل التأبير.. قبلت شهادتهما له، وحكم بالثمرة للبائع؛ لأنهما لا يجران إلى أنفسهما بهذه الشهادة نفعا، ولا يدفعان بها ضررا، وكذلك إن كان فيهم عدل واحد، وحلف معه البائع.. حكم له بالثمرة.
وإن كانوا فساقا، أو لم تقبل شهادتهم للبائع لسبب من الأسباب المانعة.. فالقول قول المفلس مع يمينه.
قلت: والذي يقتضيه المذهب: أنه يحلف ما يعلم أن البائع رجع فيها قبل التأبير، وكذلك الغرماء إذا حلفوا؛ لأنه يحلف على نفي فعل الغير، فإن حلف المفلس.. ملك الثمرة، فإن لم يختر دفع الثمرة إلى الغرماء، ولا بيعها لهم.. لم يجبر على ذلك، ولا لهم أن يطالبوه بذلك، لأنهم يقرون أنها ملك للبائع دون المفلس، ولكن يصرف إليهم سائر أمواله، ويفك عنه الحجر، ويتصرف في الثمرة كيف شاء، وإن اختار المفلس دفع الثمرة إلى الغرماء.. فهل يجبر الغرماء على قبولها؟ فيه وجهان:
أحدهما: وهو المذهب، ولم يذكر الشيخ أبو حامد غيره -: أنهم يجبرون، فيقال لهم: إما أن تقبلوها، أو تبرئوه من قدرها من دينكم، كما قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - في (المكاتب) إذا حمل إلى سيده مالا عن كتابته، فقال للسيد: هو حرام: (إنه يلزمه أن يأخذه، أو يبرئه من قدره مما له عليه).
والثاني: لا يلزمهم ذلك، وذلك لأنهم يقرون أن المفلس لا يملك ذلك، ويفارق سيد المكاتب؛ لأنه يريد الإضرار بالعبد، ورده إلى الرق، فلم يقبل منه، ولا ضرر على المفلس في ذلك.
فإذا قلنا بالأول، وقال الغرماء: نحن لا نأخذ الثمرة، ولكنا نفك الحجر عنه، وتؤخر حقوقنا.. فهل للمفلس الامتناع؟ فيه وجهان، حكاهما المسعودي [في (الإبانة) ق \ 272].
فإن اختار الغرماء أن يبرئوا المفلس من قدر الثمرة من الدين، فأبرؤوه من ذلك.. فلا كلام. وإن لم يختاروا أن يبرئوه، فإن كان دينهم من جنس الثمرة.. وجب عليهم أخذها، وكذلك إذا لم يكن دينهم من جنس الثمرة، واختاروا أخذ الثمرة عن دينهم، فإن كان دينهم من غير السلم.. جاز، وبرئت ذمة المفلس من ذلك، فإذا أخذوا ذلك.. لم يملكوه، ولكن يلزمهم رد ذلك إلى البائع؛ لأنهم قد أقروا أنها ملكه، وإنما لم يقبل إقرارهم لحق المفلس، فإذا زال حقه.. لزمهم حكم إقرارهم الأول، كما لو شهد رجلان على رجل: أنه أعتق عبده، فلم تقبل شهادتهما عليه، ثم انتقل العبد إليهما، أو إلى أحدهما بإرث أو بيع.. فإنه يعتق عليهما بالإقرار السابق. وإن كانت حقوقهم من غير جنس الثمرة.. فإنه لا يلزمهم قبول الثمرة بعينها، ولكن تباع الثمرة، ويدفع إليهم الثمن.
قال ابن الصباغ: ولا حق للبائع في الثمن.
وإن صدق بعض الغرماء البائع، وكذبه بعضهم مع المفلس، فإن كان فيمن صدق البائع عدلان، فشهدا له، أو عدل، وحلف مع شهادته له.. حكم للبائع بالثمرة، ولا كلام، وإن لم يكن فيهم من تقبل شهادته له.. فإن القول قول المفلس مع يمينه؛ لما ذكرناه، فإذا حلف.. ملك الثمرة، فإن أراد قسمة الثمرة على من صدقة دون من كذبه.. جاز، وإن اختار قسمتها على الجميع.. فقد قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (يدفعها إلى الذين صدقوه، دون الذين كذبوه). واختلف أصحابنا فيها على وجهين:
فالوجه الأول: قال أبو إسحاق: هي كالأولى، وإن للمفلس أن يفرق ذلك على الجميع، أو يبرئه من كذبه على ما يخصه من الثمرة من الدين؛ لما ذكرناه في التي قبلها، وما ذكره الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -.. فمعناه: إذا رضي المفلس أن يفرقه فيمن صدقة، دون من كذبه.
والوجه الثاني: منهم من قال: لا يجبر من كذبه على قبض شيء من الثمرة، ولا الإبراء عن شيء من دينه، وجها واحدا، بخلاف الأولى؛ لأن مع تكذيب جماعتهم له به حاجة إلى قضاء دينه، فأجبروا على أخذه، وفي مسألتنا يمكنه دفعه إلى المصدقين له دون المكذبين له.
فإذا قلنا بالأول: لزم المصدقين للبائع أن يدفعوا ما خصهم من الثمرة إليه، ولا يلزم المكذبين له، والذي يقتضي المذهب: أن البائع لو سأل من كذبه من الغرماء أن يحلف له: أنه ما يعلم أنه رجع قبل التأبير.. لزم المكذب أن يحلف؛ لأنه لو خاف من اليمين، فأقر.. لزمه إقراره، هذا إذا كان المفلس مكذبا للبائع،.. فأما إذا كان المفلس مصدقا للبائع أنه رجع قبل التأبير.. وقال الغرماء: بل رجع بعد التأبير.. فهل يقبل إقرار المفلس؟ فيه قولان، كالقولين فيه إذا قال: هذه العين غصبتها من فلان، أو ابتعتها منه بثمن في ذمتي.. فهل يقبل في العين؟ قولان.
فإذا قلنا: يقبل.. كانت الثمرة للبائع، ولا كلام.
وإذا قلنا: لا يقبل فقد قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (يحلف الغرماء للبائع: أنه ما رجع قبل التأبير).
فمن أصحابنا من قال: فيها قولان، كما إذا ادعى المفلس مالا، وأقام شاهدا، ولم يحلف معه.. فهل يحلف غرماؤه؟ فيه قولان، وما ذكره الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - هاهنا.. فهو أحدهما. والثاني: منهم من قال: يحلفون هاهنا، قولا واحدا، وهناك على قولين؛ لأن هناك توجهت اليمين على غيرهم، ثم نقلت إليهم، وهاهنا توجهت عليهم ابتداء.